عبد الرحمن بدوي

211

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

قال أفلاطون : فدفع ما ارتبط من النفس إلى مضيق شديد وخصّ المخالط [ 28 ا ] بالألم الدائم . قال أحمد : يريد ( بقوله : ) « ما ارتبط من النفس » أن يعلمنا أنه ليس كل الأنفس ربطت ، ولا كلها سلكت إلى الطبيعة . وقد قلت بدءا إن الاستحالات والتغاير في الدرجات حدث على كل نوع منها البعض دون الكل ، وأن من الأنفس المرتبطة خالطها كما يذكر الفيلسوف حميا الطبيعة فلقيت الألم الشديد والعذاب . قال أفلاطون : فهنالك جاء العقل لاستنقاذ النفس فوجدها لا تكاد تستنقذ إلّا في الزمان الطويل بالتدبير الذي نصفه . قال أحمد : يقول إنه كان من ارتباط النفس بالطبيعة واستمكان الطبيعة منها أن استحال استنقاذها إلّا بالمعاناة والتدبير في الزمن الطويل . قال أفلاطون : فخصّ الجسم المستدير وأطاف به الشئ الحافظ له وفتح إليه الأبواب ليوسّع عليه ، ثم جعل له المعاطف وما يغذيه وما يغذى المربوط به لتشتغل به عن مجاذبته ، فكان جسد الحيوان الأول جنس الأجناس وصورة الصور « 1 » تتلوه . قال أحمد : الجسم المستدير عضو الدماغ ، والشئ الحافظ له القحف ، والأبواب يريد بها الحواسّ الخمس التي هي البصر والسمع والشم والذوق واللّمس . فكل ذلك يفرج عن النفس ويوسّع عليه . ويعنى بالمعاطف الجسد ؛ وما يغذيه فهو الكلام المقوّى للنفس . وما يغذى الطبيعة فالمطعم والمشرب الذي تشتغل به الطبيعة عن مجاذبة النفس ؛ والحيوان صورة الصور ؛ وجنس الأجناس الإنسان . قال أفلاطون : وأوصله بعد ذلك بالعالم العلوي ليكون هو المعين على تخلصه . قال أحمد : إن العالم العلوي دائم التأثير في الإنسان وواصل بسمته ، أعنى الإنسان ، عند موته إلى الفلك . فلا يزال الوصول حتى يرجع ما خرج من العالم العلوي إلى موضعه

--> ( 1 ) ص : صور الصورة .